|
يقول
الله تبارك وتعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا
بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة
ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) إبراهيم/27
.
قال
ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله تعالى : ( يثبت
الله الذين آمنوا ... الآية ) هو لا إله إلا الله
. وروى النسائي عن البراء قال : قال ( يثبت الله
الذين آمنوا ... الآية ) نزلت في عذاب القبر ،
يقال : ربي الله وديني دين محمد ، فذلك قوله : (
يثبت الله الذين آمنوا ... الآية ) .
المعنى
الإجمالي للآية الكريمة : يتصل المعنى
الإجمالي للآية الكريمة بتثبيت الله تبارك
وتعالى لعباده المؤمنين في الحياة الدنيا وفي
الحياة اللآخرة ، على الطريق المستقيم ، وعلى
عقيدة التوحيد ، كما يتصل هذا المعنى بنفي ذلك
التثبيت عن الظالمين الكافرين ، بسبب ظلمهم
وكفرهم ، وبعدهم عن الحق وجريهم وراء شهوات
النفس ووساوس الشيطان ، وصدهم عن السبيل
القويم ، ومعاداتهم لأصحاب الصراط المستقيم .
تثبيت
الله تعالى لعباده المؤمنين في الدنيا :
التثبيت
في الحياة الدنيا له معنيان :
المعنى
الأول : التثبيت في القبر عند سؤال الملكين ،
أخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب أنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أُقعد
المؤمن في قبره أتاه آت ثم يشهد أن لا إله إلا
الله وأن محمداً رسول الله ، فذلك قوله : ( يثبت
الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة
الدنيا وفي الآخرة ) . وقد قال القفال وجماعته :
في الحياة الدنيا ، أي في القبر ، لأن الموتى
في الدنيا إلى أن يبعثوا ، وحكاه الماوردي عن
البراء قال : المراد بالحياة الدنيا المساءلة
في القبر ، وبالآخرة المساءلة في القيامة . (
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 9/238 ) .
والمعنى
الثاني : يتصل هذا المعنى بالتثبيت على
الإيمان والإسلام والتقوى والاستقامة وفعل
الخير والصلاح والمعروف ، ويتصل كذلك بتوفيق
الله تعالى لعباده الصالحين وتأييدهم ،
ونصرتهم وإعزازهم ، وتقويتهم على القول
الثابت والإيمان الراسخ والاعتقاد الجازم
والتسليم المطلق لأحكام الله تعالى وأوامره
وتوجيهاته . وقد أورد القرطبي في كتابه (
الجامع لأحكام القرآن ) بأن معنى ( يثبت الله )
يديمهم الله على القول الثابت ، ومنه قول عبد
الله بن رواحة :
يثبت
الله ما آتاك من حسن تثبيت
موسى ونصراً كالذي نُصرا
وهذا
المعنى له ما يؤيده ويعضده من نصوص الكتاب
العزيز : ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : ( إن الله
مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) ، وقوله
تعالى : ( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ) وقوله
تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين
أوتوا العلم درجات ) .
وقوله
تعالى : ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله
ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .
تثبيت
الله تعالى لعباده المؤمنين في الآخرة :
عن
البراء بن عازب قال : المراد بالحياة الدنيا
المساءلة في القبر ، وبالآخرة المساءلة في
القيامة .
فالتثبيت
في الدنيا كما ذكرت ذلك قبل قليل هو التثبيت
عند سؤال الملكين في القبر ، والتثبيت على
الحق والتقوى والصلاح في حياة المؤمن في
دنياه . أما التثبيت في الآخرة فهو تثبيت
المؤمن يوم القيامة عندما يسأل عن أعماله
وأفعاله ، وعن شبابه وعمره ، وعن ماله
وممتلكاته ، وعن واجباته نحو نفسه ونحو غيره
ومحيطه ، وعن مختلف تصرفاته وأحواله وشؤونه
التي تعلق بها التكليف الشرعي الإسلامي ،
أمراً ونهياً ، فعلاً وتركاً ، فالمؤمن يثبت
ويصمد - بتوفيق الله تعالى ومشيئته - يوم
القيامة وفي القبر ، وفي حياة البرزخ كلها ،
ويبعث الله تعالى فيه الطمأنينة والأمن
والثبات ، وذلك لما قدم في حياته من عمل
الصالحات ، ومن ملازمة الاعتقاد الراسخ
الصحيح ، ومن فعل للأحكام الشرعية الثابتة
بالكتاب والسنة ، ومن اقتداء بسيرة النبي صلى
الله عليه وسلم وأخلاقه وسننه الصحيحة ، بلا
زيادة ولا ابتداع ، وبلا تنقيص ولا تحريف ،
وإنما باتباع منهج السلف الصالح ، وعمل أهل
السنة والجماعة .
انتفاء
الثبات عن الظالمين :
المراد
بالظالمين هنا الكفار ، لأنهم ظلموا أنفسهم ،
وكفروا بآيات الله تعالى ، وبدلوا القول
الثابت والإيمان الصحيح بما أملته عليهم
عقولهم المنحرفة ، وشهواتهم الفاسدة .
فالظالمون
أو الكافرون لا يثبتون على الطريق الجاد ، ولا
يطمئنون في الدنيا والآخرة ، وإنما يدركون
العذاب الأليم والحسرة والندامة في الآخرة
وفي القبر ، كما يعيشون حياة الشقاوة والحيرة
والاضطراب في الدنيا ، وذلك بسبب غيهم
وفسادهم وبعدهم عن طريق الهداية والصلاح .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن
عباس رضي الله عنهما ( أن الكافر إذا حضره
الموت تنزل عليه الملائكة عليهم السلام
يضربون وجهه ودبره ، فإذا دخل قبره أقعد فقيل
له : من ربك ؟ لم يُرجع إليهم شيئاً وأنساه
الله تعالى ذكر ذلك ، وإذا قيل له من الرسول
الذي بعث إليك ؟ لم يهتد له ولم يُرجع إليهم
شيئاً ، فذلك قوله تعالى : ( ويضل الله
الظالمين ) .
جميع
الأمور بيد الله تعالى : كل الأمور والأحوال
بيد الله تعالى : ( ويفعل الله ما يشاء ) ، من
عذاب قوم وإضلال قوم ، فالله تبارك وتعالى
بيده الهداية والإضلال ، بيده الخير والشر ،
بيده النفع والضر ، بحسب سننه وآياته ، وبحسب
استعداد النفوس وقبولها لكل من فعل الخير
والشر .
نسأل
الله عز وجل أن يثبتنا على الطريق المستقيم
والمنهج القويم في عاجل الأمر وآجله ، في
الدنيا والآخرة ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
بقلم
نور الدين مختار الخادمي
مجلة
الدعوة العدد 1774 ، صفحة 74.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
|