--------------------------------------------------------------------------------------------------------
برج العقرب
24 تشرين الأول - 22 تشرين الثاني
العقرب - حسب معناه في قواميس اللغة - حشرة ليلية لها ذيل معقوف تستعمله في حالتي الهجوم والدفاع وتبخ بواسطته سماً زعافاً يشل حركة الضحية ويودي بحاياتها في كثير من الأحيان . أما في لغة الأبراج فالعقرب انسان غير عادي يتمتع بصفات غير عادية تشبه من نواح كثيرة من صفات الحشرة المذكورة وان كانت أقل منها فتكاً وأذى حقيقياً . وكما تسرح حشرة العقرب في سكون الليل وظلامه كذلك يفعل انسان برج العقرب ، يظل متخفياً متكتماً في النهار والليل وراء قناع خارجي يخيل للناظر أنه وجهه الحقيقي بينما هو في الواقع وجه مزيف بينه وبين الوجه الصحيح المختبىء وراءه بون شاسع .
والرغم من ذلك يمكن التعرف إلى هذا الانسان بواسطة أمرين : أولا عيناه الثاقبتان اللتان تشعران المرء بالقلق والضيق سواء أكانتا سوداوين أو خضراوين أو زرقاوين ، وثانياً صوته الذي لا يمر دون أن يترك في السامع أثراً غريبا سواء أكان من النوع الأجش أو الحاد أو المخملي . يضاف إلى ذلك مظهر خارجي حاد في جميع تفاصيله : فالأنف بارز معقوف كمنقار الطير أحياناً ، والبشرة ممتقعة ، والحاجبان معقودان وشعر الذراعين والساقين كثيف مشرب بالحمرة ، والوجه جامد لا تتحرك فيه عضلة واحدة . لكن الأهم من ذلك هو تأثير انسان برج العقرب في الأجواء التي يوجد فيها . إن أي مكان يجلس فيه أو يدخل إليه فجأة يصبح أشبه شيء بحقل من الكهرياء أو المغنطيس أو الذرة . انه بكلام آخر (( يشرقط )) الجو كما يقولون عادة ؟
لقد تأثر انسان برج العقرب عند ولادته بالكوكب السيار أفلاطون ( بلوتو ) الذي أمده بقدرة التحكم في قسمات وجهه ومشاعره الداخلية على النحو الذي يريد . ولهذا السبب يستطيع الاحتفاظ بجموده العجيب في جميع الظروف والأحوال دون أن يضطر إلى الضحك أو العبوس أو الصراخ أو القهقهة أو القفز أو الركض أو حتى مجرد الانحناء الخفيف أو الانتصاب الخفيف لسبب أو لآخر . وإذا بدا عكس ذلك في بعض الأحيان كان السبب غاية في نفسه فرضت عليه تمثيل دوره الجديد عن قصد وسابق تصميم الأمر الذي يثبت صحة ما ذكرناه ، قبلاً وهو أن وجه العقرب الخارجي ليس سوى وجه مزيف بينه وبين وجهه الحقيقي بون شاسع .
ان أكثر الأشياء وضوحاً عند هذا الأنسان هو (( الأنا )) فهو يعرف تماماً من هو وماذا يريد من نفسه ومن الآخرين . ولذلك يستحيل تحريكه بكلمة خير أو شر ، لأنه يرفض التودد سواء منه أو اليه ، يصدر أكامه بصدق جارح في كثير من الأحيان . معارفه فئتان : أصدقاؤه المعجبون والمتعلقون به وأعداؤه الألداء . بين الفئتين لا وجود لأحد على الاطلاق لأن من الصعب على أي كان الاحتفاظ بشعور الامبالاة تجاهه .
كان علماء الفلك قديماً يرمزون إلى مواليد برج العقرب بواسطة أفعى أو ضب أو نسر في بعض الأحيان ، وسبب ذلك يعود ولا ريب إلى تعدد الأدوار والشخصيات التي ينجح في ادائها .
فهو بحسب الظروف والأوضاع - تارة عقرب سام يؤذي لمجرد اللذة ولا يتورع حتى عن أذية نفسه ، وطوراً ضب قاصر لئيم يعيش في الظلمات والخوف ، وأحياناً يتحول العقرب أو الضب إلى نسر عظيم يحلق في الأجواء متحدياً الفشل والمرض والفقر ، حتى الموت نفسه . هنا يبلغ الانسان العقرب أسمى درجات الشجاعة والتفاؤل والعظمة .
شجاعته في الواقع مضرب الأمثال . انه رجل الساحة وقت الحروب والزلازل والحرائق وجميع الكوارث التي فيها تحد لشجاعة الانسان وحياته . اخلاصه لعمله وعائلته وأصدقائه يدفعه إلى الألقاء بنفسه في التهلكة دون تردد اذا عرف أن في موته خلاص للآخرين . أمر قد لا يصدق ولكنه في الواقع : هذا الانسان القوي المتسط إلى أقصى الحدود يتعلقة أحياناً بالدين ويتعمق في أسرار الحياة و الموت ويحمي الأطفال والضعفاء ويداوي النفوس والأجسام المريضة مثله في ذلك القديسين في تضحيتهم وعطائهم . مقابل هذا قد تطرأ ظروف عكسية تحوله إلى شيطان يزرع الفساد والشر ويقابل الاساءة بأضعافها ، وإذا لم يسن له الانتقام سكت على الضيم مكرهاً وشعر من جراء ذلك بمزارة شديدة تسبب له مع الوقت مرضاً حقيقياً .
إذاً تتوقف حالة هذا الانسان الصحية إلى حد بعيد على مزاجه وظروفه المعيشية . قد يصاب بالمرض بسبب الأفراط في الطعام والشرب والتدخين وأحياناً الأدمان على المخدرات والعقاقير ، ولكنه يستطيع الشفاء أيضاً بفعل ارادته القوية . غير أنه قلماً يعتل ، وإذا أصيب بعلة كان ذلك في الأنف أو الحلق أو القلب أو الجهاز التناسلي أو الدورة الدموية أو الظهر أو الساقين . هذا وعليه أن يتاط لنفسه من خطر النار والمتفجرات والغازات السامة والاشعاعات الذرية وغير ذلك من العوامل التي تندفع نحوها وتنجذب إليها طبيعة التحدي فيه .
يستطيع انسان برج العقرب الأبداع في أي عمل يمارسه .
وخصوصاً في الجراحة والسياسة والتلحين والتمثيل والأدب والجاسوسية والبوليس ، حتى في حفر القبور . طموحه على كل حال كفيل بايصاله إلى حيث يصبو مع انه يسير نحو أهدافه بكل حذر وتؤده ودون أن تظهر عليه بوادر الاهتمام أو المنافسة . هذا من جهة ، من جهة ثانية قد يتحول اهتمامه بالدين إلى الاهتمام بالسحر والتنجيم وقراءة الكف وعلوم أخرى كانت منتشرة فيما مضى . يقال إن هذا الانسان يرمز في علم الفلك القديم إلى البعث والقيامة ولهذا السبب ساد الاعتقاد أن ولادته ترافقها دائماً وفاة قريب له اما خلال السنة التي تسبقها - أي تسبق الولادة - أو خلال السنة التي تليها .
بقي القول إن الانسان الذي يتمتع بمثل تلك الرهبة لا يمكن أن يهوى من الأحجار سوى حجر الدم ذي اللون النبيذي القاتم . من ثم ان ذوقه في الأزهار يدعو حقاً إلى العجب فمن يصدق أن زهرة العسل البرية هي رمزه وحبيبته ؟
------------------------------------------------------------------------------------------------
يصح في هذا الرجل المبدأ : درهم وقاية خير من قنطار علاج . هذه العبارة هي بمثابة نصيحة منا لجميع المتعاملين مع رجل برج العقرب يوجه عام وللمرأة بوجه خاص . من الخير لها أن تتسلح بدرع واق قبل محاولة التعرض له من قريب أو بعيد لأن في التعرض له خطر الانفجار أو الاحتراق المعنوي على الأقل . من الصعب على أي كان تصديق مثل هذا الكلام في الوقت الذي يبدو فيه هذا الانسان على هذا النحو من الهدوء والسكينة . لكن شتان ما بين ما يظهره وبين ما يخفيه . ان ما يظهر منه ليس سوى قناع مزيفيقصد به تضليل الآخرين .
أما ما يخفيه فهو حقيقته التي تتلخص بكلمة واحدة هي : الانفعال .
يعتقد البعض أن رجل برج العقرب انسان طيب أقرب إلى السذاجة ، بينما يعتقد البعض الآخر انه لثيم محب للغدر . وهو في الواقع خلاف الحالين .انه بالضبط انسان مفطور على حدة الذكاء والإرادة والانفعال في وقت واحد أي أن قهره صعب مهما حاول البعض . وإذا بالغ أحد في الاساءة اليه رد بالانفار وبتحطيم كل ما حوله . أقوى ما في هذا الرجل القوي عيناه الحادتان اللتان تستطيعان اختراق أعماق أي كان وبث جميع الأفكار والمشاعر التي يريدها فيه . هذا الانسان المتسلط القوي الارادة يهدف إلى الحققة أينما كانت سواء في الحياة أو الموت أو المرض أو الحب أو الدين ، ولذلك يؤمن بالتعمق ويكره السطحية إلى أقصى حد وقد لا يوازي كرهه لها سوى كرهه للخسارة فهو ان فقد شيئاً مهما كان تافهاً أو قليلا يثور من الداخل إلى درجة الألم أو المرض دون أن يطرف له جفن .
الرجل - العقرب أما متدين أو ملحد أو عنده من الرياء المقصود ما يكفي القيام بالدورين معاً . ان القوانين التي يسير عليها من صنعه دائما . أهدافه واضحة وكذلك سبل الوصول اليها . وهو في سبيلها لا يأبه للصعاب أو الأخطار أو حتى الموت . هذا الرجل صعب في اختار الأصدقاء لا لسبب سوى أنه ينشد أعلى المستويات في علاقته بالآخرين ولا يتورع أحياناً عن استعمال القسوة والأساليب السادية حتى مع المرأة التي يحب . على الرغم من ذلك يغار عليها بشدة ويتألم إذا حاولت الانعتاق منه ولكنه يكم ألمه ويقابل أخطاءها بالعنف والتحدي ولو اضطر إلى تحطيم قلبه وسعادته . مقابل ذلك غيرتها هي لا تزعجه على الاطلاق ولا تحول دونه والاهتمام بالنساء الأخريات مع أنه قوي جدا تجاه الاطراء والغزل ، ومن النادر أن لم يمكن من المستحيل أن يفقد السيطرة على نفسه في المواقف العاطفية .
من الطبيعي أن يكون الرجل - العقرب أبا صارماً على الرغم من حبه الشديد لأولاده . فهو لا يسمح بأن يتجاوزوا معه حدود الأدب والطاعة ولكنه يعلمهم في الوقت نفسه احترام الذات والاعتماد على النفس . من الجائز أن يتألموا ضمناً بسبب برود مظهره ، ولكنهم يجلونه بكل تأكيد ويثقون بأقواله وأعماله ثقة عمياء .
نعود إلى علاقة هذا الانسان بزوجته فنجد أنها تقوم على أساس السيادة من جهته والطاعة من جهتها . ذلك هو المبدأ الذي لا يحيد عنه في حياته العاطفية . وهي - أي زوجته - بقبولها ذلك المبدأ تحصل على مميزات لا تنالها اية امرأة أخرى في الحب . يكفي أن تعلم أن السعادة والرضى تحولان زوجها من عقرب سام إلى نسر عظيم يحلق في الأجواء لا وحده بل برفقتها دائماً ، وأن في استطاعته أن يعرفها إلى أسرار ومفاتن يجهلها جميع الذين يفترقون إلى معدنه وطينته العظيمتين .